السيد محمد بيرم الخامس التونسي
342
صفوة الإعتبار بمستودع الأمصار والأقطار
الأغرب أن اليهود الساكنين في الحاضرة مع أهلها الحارة جنب الحارة ترى لغتهم فيها تمييز كبير عن لغة المسلمين في كلمات كثيرة كقولهم الحين بفتح النون أي الآن وبلغة أهل تونس تو وكقلبهم الشيء سينا وغير ذلك ، وأظن أن العلة في ذلك هي التربية من الصغر في الدار فيجري عليها اللسان ولو بعد الكبر والمخالطة وهذا واقع في اللغات الأخرى أيضا ، فأصل اللغة وإن كان واحدا لكن النحلة مختلفة كما في أهل مرسيليا وباريس في اللغة الفرنساوية وكما في لغة أهل الأستانة وبقية الأناطولي في اللغة التركية ، بل هذا موجود حتى في أصل اللغة العربية فإن قبائلها كل منهم له نحلة ولغة لا تفهم عند غيرهم ، وقد عد من معجزات نبينا سيدنا محمد صلى اللّه عليه وسلم معرفته بالجميع بل وقيل حتى في غير اللغات العربية وليس ذلك بغريب ، ومما ثبت في الصحيح في اللغات العربية ما رواه القاضي عياض في الشفاء « 1 » حيث قال : « فصل : وأما فصاحة اللسان وبلاغة القول فقد كان صلى اللّه عليه وسلم من ذلك بالمحل الأفضل ، والموضع الذي لا يجهل [ سلاسة ] طبع وبراعة منزع وإيجاز مقطع ، وفصاحة لفظ وجزالة قول وصحة معان وقلة تكلف ، أوتي جوامع الكلم وخص ببدائع الحكم وعلم ألسنة العرب ، فكان يخاطب كل أمة منها بلسانها ويحاورها بلغاتها ويباريها في منزع بلاغتها ، حتى كان كثير من أصحابه يسألونه في غير موطن عن شرح كلامه وتفسير قوله . من تأمل حديثه وسيره علم ذلك وتحققه ، وليس كلامه مع قريش والأنصار وأهل الحجاز ونجد ككلامه مع ذي المشعار الهمداني « 2 » ، وطهفة النهدي « 3 » وقطن بن حارثة العليمي « 4 »
--> ( 1 ) الشفاء 1 / 70 . ( 2 ) هو مالك بن نمط بن قيس الهمذاني الأرحبي أبو ثور صحابي شاعر من رؤساء همذان كان يلقب بذي المشعار . الأعلام 5 / 267 السيرة النبوية لابن هشام 4 / 244 الإصابة 6 / 35 رقم الترجمة ( 7688 ) العقد الفريد 1 / 285 . ( 3 ) هو طهفة بن أبي زهير النهدي وقيل طهية بالياء المثناة التحتانية بدل الفاء وقيل طخفة بالخاء المعجمة والفاء . روى ابن الأعرابي في معجمه : قدم وفد بني نهد على النبي صلى اللّه عليه وسلم فقام طهفة بن أبي زهير فقال : اتيناك يا رسول اللّه من غوري تهامة على أكوار الميس ترتمي بنا العيس نستحلب الصبير ونستخلب الخبير ونستخيل الرهام ونستحيل الجهام من أرض بعيدة النطاء غليظة الموطأ قد نشف المدهن ويبس الجعثن ، وسقط الأملوج ومات العسلوج ، وهلك الهدي ومات الودي ، برئنا إليك يا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم من الوثن والفتن وما يحدث الزمن ، ولنا نعم همل إغفال ، ووقير قليل الرسل ، [ كسير الرسل ] أصابتنا سنة حمراء أكدّى فيها الزرع ، وامتنع فيها الضرع ليس لها علل ولا نهل . قال ابن الجوزي في العلل 1 / 185 : « هذا لا يصح وفيه مجهولون وضعفاء » . انظر الإصابة 3 / 297 رقم الترجمة ( 4292 ) . ( 4 ) هو قطن بن حارثة العليمي من بني عليم بن حباب بن كلب وفد مع قومه على النبي صلى اللّه عليه وسلم وأنشد من قوله : رأيتك يا خير البرية كلها * ثبت نضار في الأرومة من كعب أغر كأن البدر سنة وجهه * إذا ما بدا للناس في حلل العصب أقمت سبيل الحق بعد اعوجاجها * وربيت اليتامى في السقاية والجدب قيل : إن النبي صلى اللّه عليه وسلم رد عليه خيرا وكتب له كتابا . انظر الإصابة 5 / 243 رقم الترجمة ( 7117 ) وانظر